كتب أحدهم مرةً “ أكتب كي لا أجن .. أكتب كي لا أصاب بالاكتئاب “
فإلى أي حد يمكن للكتابة أن تساعدنا ؟
أجابت العديد من الدراسات العلمية عن هذا التساؤل ، لكننا سنذكر تجربة عالم النفس جيمس بيكر الذي طلب من مجموعة من طلابه الكتابة لمدة 15 دقيقة يوميًا عن أكبر صدمة أو أصعب موقف ، ليكتشف بعد مضي 6 أشهر أنهم أصبحوا يتمتعون بصحة نفسية أفضل .
كيف للكتابة عن التجارب السيئة أن لا يشعرك بالسوء ؟
هذا التساؤل طرحه العديد من أصدقاء مات هيغ ، وهو كاتب عانى كثيرًا من الاكتئاب لكنه ألف كتابه الشهير أسباب للبقاء حيا ليؤكد أن هناك ضوءًا في آخر النفق ،و بالعودة للسؤال يجيب قائلًا :
“ أفهم سبب طرح الناس هذا السؤال، ولكن إجابتي بكل ثقة هي «لا».
لقد اكتشفت هذا قبل سنوات. عندما كنت مريضًا، في أسوأ لحظاتي، حين كنت بالكاد أتحدث، كتبت حقيقة شعوري. ذات يوم كتبت جملة «وزن لا يُقهر». في يوم آخر «أتمنى لو استطعت شق رأسي بمخلبي لأنتزع جزء الدماغ المُسبّب لهذا الحزن.» وقد كتبت أشياء أكثر ظلمة بكثير. ولكن كتابة الظلام لم تجعلني أشعر بالمزيد منه. كنت غارقًا في الظلام. الكتابة مكّنتني من أخذ ذلك الظلام ووضعه خارجًا حيث الضوء. “
ذلك الضوء الذي وعده محمد أبو الغيط بالقدوم عبر كتابه أنا قادم أيها الضوء ،والذي كتب فيه عن مرضه ، ألمه ، أمله وحتى ملله ، واستمر بالكتابة رغم ثقلها لأنه وجدها كما يقول “ فعل خارق الصعوبة كما هو خارق الإمتاع والمساعدة أيضًا؛ لأن تكثيف مشاعري هي عملية قاسية ومدمرة للأعصاب في أثناء حدوثها، تجعلني بعد كل مرَّة منهكًا للغاية، وكم شاهدتْ زوجتي دموعي تملأ وجهي بينما أنا مُنكبٌّ على «اللاب توب»، لكنها أيضًا عملية «مُطهرة» نفسيًّا، تثير في نفسي الراحة والهدوء والرغبة في الاسترخاء والنوم بعد إتمامها، كأني قد تخلصت مما يثقلني بوضعه على الورق. “
محمد أبو الغيط تخفف من ثقله ، بينما ظلت نانسي هيوستن تحمله لمدة 12 عامًا ، امتنعت فيها عن الكتابة بلغتها الأم وعن سبب ذلك تقول :
“ أعتقد أنه الأمر كان يتعلَّق بحقيقةِ أن لغتي الأم كان يحفُّها كثير من العواطف في هذا الوقت. فضَّلْتُ استخدام شيء أكثر بُعْدًا وأكثر عقلانيةً، فقد كنت في حالة رفض لجذوري. كنت أرغب في الانفصال عن طفولتي، وعن والدتي، وعن المشاكل. “ إلى أن جاءت تلك اللحظة التي اكتشفت فيها أن لغتها الأم لغة موسيقية ، فكتبت بها رواية تسلط الضوء على خطوط الانكسارات العميقة في خبايا إنسان القرن الحادي والعشرين لكن حكاية أبطال روايتها تتقاطع بشكل أو بآخر مع حكايتها .
حكاية أخرى ، لكن الغريب فيها أنها رواية بوليسية كتبها مؤلفها لتخلّصه من تساؤل ظل يؤرقه ، أعاد من خلال كتابتها ما عاشه هو وأحد عشر شخصًا لا يعرفون بعضهم ، لكنهم اجتمعوا معًا ليقرروا مصير شخص آخر .
هل كانوا على حق ؟ هذا ماكان يرعبه كل ليلة منذ أحد عشر عاما وتحديدًا بعد استدعاء محكمة نيويورك له للعمل في هيئة المحلفين
فكتب رواية المعترضة ليتصالح مع كل ماحدث. فهل يمكن لكتابة رواية أن تخلص كاتبها من الشك ؟
تعددت دوافع الكتابة ، لكن الحقيقة هي أن هذه التدوينة كُتبت دون تخطيط مسبق ، كنت أبحث عن شيء مختلف تماما ، بعيدًا جدًا عن العلاج بالكتابة لكن الأمور لم تسر في مسارها المخطط له ، كنت أمام خيارين أن ألغي الخطة بالكامل أو أن أنظر إلى المشكلة كفرصة كما يقول البروفيسور كريستيان بوش في كتابه الانفتاح على الفرص فكان هذا ماحدث